ابن أبي الحديد
107
شرح نهج البلاغة
[ قصة فيروز بن يزدجرد حين غزا ملك الهياطلة ] ومن الكلمات المستحسنة في سوء عاقبة البغي ما ذكره ابن قتيبة في كتاب " عيون الأخبار " أن فيروز بن يزدجرد بن بهرام لما ملك سار بجنوده نحو بلاد الهياطلة ، فلما انتهى إليهم اشتد رعب ملكهم أخشنوار منه وحذره ، فناظر أصحابه ووزرائه في أمره فقال رجل منهم أعطني موثقا من الله وعهدا تطمئن إليه نفسي أن تكفيني الغم بأمر ( 1 ) أهلي وولدي ، وأن تحسن إليهم ، وتخلفني فيهم ، ثم اقطع يدي ورجلي وألقني في طريق فيروز حتى يمر بي هو وأصحابه ، وأنا أكفيك أمرهم ( 2 ) ، وأورطهم مورطا تكون فيه هلكتهم . فقال له أخشنوار : وما الذي تنتفع به من سلامتنا وصلاح حالنا إذا أنت هلكت ولم تشركنا في ذلك ! فقال : إني قد بلغت ما كنت أحب أن أبلغ من الدنيا ، وأنا موقن أن الموت لا بد منه ، وإن تأخر أياما قليلة ، فأحب أن أختم عملي بأفضل ما يختم به الأعمال من النصيحة بسلطاني ، والنكاية في عدوي ، فيشرف بذلك عقبي ، وأصيب سعادة وحظوة فيما أمامي . ففعل أخشنوار به ذلك ، وحمله فألقاه في الموضع الذي أشار إليه ، فمر به فيروز في جنوده ، فسأله عن حاله ، فأخبره أن أخشنوار فعل به ما يراه وأنه شديد الأسف ، كيف لا يستطيع أن يكون أمام الجيش في غزو بلاده وتخريب مدينته ، ولكنه سيدل الملك على طريق هو أقرب من هذا الطريق الذي يريدون سلوكه وأخفى ، فلا يشعر أخشنوار حتى يهجم عليه فينتقم الله منه بكم ، وليس في هذا الطريق من المكروه إلا تغور ( 3 ) يومين ، ثم تفضون إلى كل ما تحبون .
--> ( 1 ) العيون : " أن تكفيني أهلي وولدي " . ( 2 ) العيون : " أكفيك مؤونتهم وأمرهم " . ( 3 ) التغور : إتيان الغور . وفي عيون الأخبار : " تفويز يومين " ، أي السير في المفازة .